بقلم| نور العبيدي
مطرقة القانون تَدق رأس الضحية
عندما يسود الانحلال في مجتمع تقوده الفوضى والظلم كما يحصل في العراق صاحب أول حضارة سنت القوانين كما جاء في قانون (ارنمو) لسنة 2111 ق.م؛ فهذا يعني وصل العراق إلى مرحلة الانهيار الكـامل؛ بسبب سطوة المجرمين على قبضة القانون وتجييره لـمصالحهم الشخصية؛ فالقانون عندما يوضع في بلد ما فهو لبناء المجتمعات على أسس سليمة بعيدة عن مظاهر القتل والاغتصاب وتجارة المخدرات والأعضاء البشرية من خلال فرض القانون العادل على الجميع بدون تمييز، بإدانة المجرم وحماية المواطن من أن يكون ضحية لـقانون يتلاعب به حزب وشخصيات سياسية متنفذ أو مليشيا متسلطة أو غير ذلك؛ ولذلك عندما تجد انتشار الجهل والتخلف والرجعية وكثرة الجرائم وانتشار المخدرات فاعلم حينها أن سلطة هذا البلد السيء هي بيد المجرم والفاسد، وهذا أخطر عدو على المجتمع لأنه السبب الرئيس في جعل العدالة بائسة مما يتسبب بانحلال المجتمع أخلاقياً وقانونيا..! وهذا ما ظهر جليا وبشكل مؤلم في المجتمع العراقي فالمجرم طليق والضحية تعاقب وربما تقتل الضحية لإخفاء الجريمة كما يحصل من قتل للمغتَصبة التي وقعت ضحية الظلم والتوحش المجتمعي؛ وهو ما أدى إلى تمادي المجرم الذي أصبح يغتصب حتى الأطفال كما حصل للطفلة (حوراء) ذات السبع سنوات في منطقة الحسينية شمالي بغداد، بعد أن اختطفها منتسب في وزارة الداخلية هي وشقيقها صاحب الأربع سنوات، واغتصبها واعتدى عليها مما سبب لها أضرارا جسدية بالـغة، فالجريمة كانت من شخص يُفترض أن يكون هو من يحمي المواطن لا أن يرتكب الجريمة بحقه، وما يشير إلى ضياع العدالة هو ما ذَكر المرصد العراقي لحقوق الإنسان من أن هذه حادثة الاغتصاب الثانية التي يرتكبها هذا المنتسب، وأن ضحيتهُ السابقة تم قتلها من قبل عائلتها من أجل ما يعرف "بغسل العار" ولأن القانون والقضاء لم يدن المجرم لأنه منتسب في وزراة الداخلية، فتكرار هذه الجرائم وانتشارها يشير إلى غياب العدالة التي جعلت من المجرمين وحوشا بشرية تتحكم بمصير المواطنين الأبرياء؛ لأنهم يعلمون أن القانون أصبح بيد أمثالهم من المجرمين والسفهاء وأراذل القوم الذين يقتاتون على مصائب ومعانات وانتهاكات الآخرين، ولن تنتهي مشاهد الجرائم المروعة مالم تتحقق العدالة بـ إنزال أشد العقوبات بالجاني وإنصاف المجني عليه!
ومن الجرائم التي انتشرت في الأونة الأخيرة ويتجاهلها القانون (التعنيف الأسري) سواء كانت المعنفة بنت أو زوجة ففي عام 2019 وصل عدد المعنفات في العراق إلى 15 ألف حالة عنف وارتفع العدد في 2020 إلى 16 ألف حالة عنف أسري بين ضرب وحرق وقتل بـ أسلحة نارية أو آلة حادة وهذا ما هو مقيد وموثق في سجل القضاء والداخلية فقط، ففي بغداد قتل زوجٌ زوجتَه بعيار ناري بعد خلاف أسُري بسيط؛ ولم يحاسبه القانون واعتبرها جريمة شرف، وأعداد العنف المخفية أكبر بكثير من المعلنة، ولا يتم التعنيف من الزوج فقط بل يأتي من الأب والأخ أو أحد أقارب الضحية من أجل إثبات رجوليتهم كما يظنون! ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تجد التعنيف في الشارع أيضا ودور الرعاية التي تمارس الأسلوب نفسه خصوصا على الفارات من جحيم العف الأسري الذي وصل ببعضهم إلى أن يغتصب محارمه بسبب الإدمان على المخدرات وضياع المجتمع، وما يجعل السلطات مشتركة في هذه الجرائم هو عدم تشريع قوانين ضد العنف الأسري بل عدم إقرار البرلمان مسودة قانون رقم (393) و(398) المتعلقة بالعنف الأسري التي كلما ترُفع إلى البرلمان يتم رفضها من قبل الأحزاب اللا إسلامية وعلى رأسها تيار الحكمة وحزب الفضيلة وحركة فتح.. مع أن هذا القانون كان يطبق قبل 2003م لذلك لم يكن العراق يعاني من هذه الظاهرة، إلا أن هذه الظاهرة ارتفعت وتيرتها بعد 2003 بشكل مخيف جدًا لأن الأحزاب (الإسلامية) لا تريد تمرير قانون العنف الأسري وهو ما يجعلها شريكة في انتهاك حق المرأة، بل إنهم وضعوا وسمحوا بقوانين تسمح وتدفع إلى التعنيف الأسري!، وهو ما يشير إلى جهل المتسلطين وميلهم إلى دفع المجتمع إلى ارتكاب الجرائم، ومن هذه القوانين: النص على حق تأديب الزوجة حتى وإن وصل الأمر إلى قتلها. والطلاق بـ الإكراه وسلب الزوجة حقوقها الشرعية من مقدم ومؤخر. وزواج الشغار أو ما يعرف بزواج (الگصة بگصة). وتزويج البنت القاصر مكرهة؛ بديلا عن الدية العشائرية أو ما تعرف (الفصلية). والحرمان من الميراث والاستيلاء على رواتبهن إن كُن موظفات. وإجبار الأطفال على ترك الدراسة وضياع مستقبلهم ودفعهم إلى عالم مستنقع الجريمة.
وهذه الانتهاكات والجرائم ترتكب بحق المرأة خصوصا باستغلال المادة (41) من قانون العقوبات العراقي الذي ينص على إلغاء الجريمة بحق الزوج والمعلم لأنه من باب التأديب حتى وإن أفضى إلى القتل؛ وكأن التأديب بالعنف هو الحل الأمثل في إخراج جيل واعي ولكن العكس هو الصحيح ولذلك يتم رفض قانون العنف الأسري؛ مما أدي إلى انتشار العنف الأسري، وتفكك الأسرة، وإنشاء جيل مليء بالعقد النفسية، أما لو أقر القانون فإنه سيؤدي إلى محاسبة المعنِفين؛ إلأا أن (الأحزاب الإسلامية) ترى أن هذا القانون غربي وفيه مؤامرة على المجتمع الذي تسببوا هم بضياعه وتفككه.
وفي هذا السياق أيضا يأتي التمسك بالمادة (398) من قانون العقوبات وعدم إلغائها مع أنها تدفع المجرم وتشجعه على الاغتصاب؛ فالقانون بدل أن يعاقب المغتصب فإنه يكافئه بالزواج من الضحية وإسقاط الجريمة عنه؛ ولذلك فإن غياب القانون المدني والشرعي في العراق أدى إلى الانحلال الأخلاقي وتدمير المجتمع العراقي الذي كان سابقا يعرف بأنه من أرقى المجتمعات العربية والعالمية لأن وجود العدالة القانونية والشرعية هي التي كانت تسوده من غير تمييز أو محسوبية.