أكد الدكتور لقاء مكي الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات على قدرة الميليشيات الطائفية والأحزاب السياسية والحكومة وأد مظاهر الثورة في المرحلة الحالية، لكنها لن تستطيع أبدا إيقاف أسباب اشتعالها مجددا ولا فكرتها.
وأوضح في لقاء عدد صحيفة الميثاق أن ثورة تشرين هي رد على انهيار الدولة، والخراب العام، وكل ذلك مستمر ويتعزز، مشيرا إلى إن الميليشيات ذاتها هي سبب مباشر لتحويل هذا الخراب إلى سياق طاغ. ودعوة ثورة تشرين لوجود دولة ووطن، يتناقض تماما مع وجود الميليشيات التي لا تعيش في ظل دولة، لذا ستتجدد الثورة مستقبلا بالتأكيد
وفي الآتي نص الحوار:
الميثاق: هل ترجح أن يختتم ترامب ولايته بمفاجئة في العراق؟
لقاء مكي: إذا كان المقصود عملية عسكرية ضد إيران أو ميليشياتها في العراق كما شاع مؤخرا، فذلك احتمال غير مرجح، ولاسيما بعدما قام إسماعيل قآني قائد فيلق قدس الإيراني مؤخرا بحثّ الميليشيات الولائية على التوقف عن قصف السفارة الأميركية ومصالحها في العراق؛ لتجنب توفير ذريعة لترامب لقصف إيران. ولكن ما زال هناك إمكانية لقيام إسرائيل بضربة عسكرية، وستكون ضربة محدودة إن حصلت، لكنها ستنتظر رد إيراني عليها لتتوسع الحرب بمشاركة أميركا، لكن هذه تبقى مجرد تكهنات.
الميثاق: وهل المعطيات على الأرض وموازين القوى فيها ترجح هذا الخيار؟
لقاء مكي: هذه أحد الأسباب التي لا تجعل من التكهنات السابقة شبه مؤكدة ولذلك قلت إن هناك إمكانية لذلك، فليس على الأرض في المنطقة ما يوحي من الناحية العسكرية بمثل هذا التطور.
الميثاق: هناك مراقبون يعتقدون بأن إدارة ترامب ستنجز انسحابها من العراق عقابا على فشل حكومة الكاظمي على مواجهة الميليشيات الطائفية؟
لقاء مكي: القرار الأمريكي صدر بالفعل بسحب 500 جندي أمريكي من العراق، وليس من المتوقع سحب كامل القوة الأميركية، ولاسيما من منطقة كردستان.
الميثاق: بمنظور استراتيجي كيف سيتعاطى الرئيس الأمريكي جو بايدن مع الملف العراقي؟
لقاء مكي: العراق جزء من منطقة النفوذ الإيراني، بل هو جوهر هذا النفوذ، وسيراعي الرئيس الأمريكي بايدن هذا الأمر الواقع، وبالمقابل قد تمنحه إيران بعض الأدوار السياسية في العراق، لكن علاقة بايدن المستقبلية بإيران لن تكون سهلة، فهناك الكثير من التعقيدات في الطريق، لكن في النهاية لن يكون العراق من بين الأولويات في سياسية واشنطن، وسيترك أمره للأمم المتحدة ومبادرات السفير الأميركي، ولن تكون هذه المبادرات عدائية تجاه إيران على الأقل في المراحل الأولى.
الميثاق: على الرغم من زعم حكومة الكاظمي أن ثوار تشرين هم من أنهوا التظاهرات إلا أن الوقائع على الأرض تثبت غير ذلك، كيف ترون ذلك؟
لقاء مكي: كان من المتوقع أن تتراجع التظاهرات، فالمدة الطويلة التي استمرت فيها التظاهرات بطبيعة الحال تخلق مشكلات داخلية وتسمح باختراق التظاهرات من أطراف خارجية ومتضررة من هذه المظاهرات لتخريبها ومن ثم إنهائها. وربما يكون الكاظمي ساهم في ذلك مقابل ثمن سياسي، لكن لو كانت المظاهرات في عنفوانها كما بدأت ما كان للكاظمي ولا غيره أن يفعل شيئا.
الميثلق: كيف تفسر إصرار ثوار تشرين على إسقاط نظام المحاصصة الطائفية والنظام برمته وهل نضجت الظروف لبلورة هيكل ينظم عملهم ونشاطهم؟
لقاء مكي: كل مطالب ثورة تشرين بنيت على أساس إنهاء القضايا الواضحة التي تسببت بتدمير العراق، وحتى بعض أقطاب العملية السياسية يطالبون بالأمر ذاته في العلن حتى وإن كانوا يقومون بأمر مختلف تماما. فالمحاصصة الطائفية أثبتت تأثيرها المدمر على العراق، لكنها لسوء الحظ جزء جوهري من بنية العملية السياسية، بل إن هذه الأخيرة بنيت أساسا على أساس المحاصصة، لذلك لا أمل بإنهائها دون إنهاء العملية السياسية ذاتها.
الميثاق: هناك من يعتقد أن ثوار تشرين بصدد تشكيل جبهة للمشاركة بالانتخابات المقبلة/ هل هذا الخيار متاح ولاسيما أن الثوار يطعنون بقانون الانتخابات؟
لقاء مكي: ولم لا فهذا الأمر لا يستبعد، ولكن الراجح أنهم سيتحولون لاحقا إلى جزء من النظام السياسية الراهن. فالمشاركة في النظام السياسي حتى ولو بدوافع التغيير فإنها تستلزم أولًا القبول بشروط النظام السياسي وبنيته، وهذا بحد ذاته مناف لمطالب وشروط تشرين وشعاراتها. لكن قد يكون ذلك آخر الحلول الممكنة بعد ما واجهت فرصة التغيير الشامل والثوري مصاعب كبرى وقمع شديد تسبب بمئات القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى.
الميثاق: منذ انطلاقه وتشكيله يضم الميثاق الوطني العراقي قوى وهيئات وازنة في المشهد السياسي/ أين تضع دوره في تعزيز عضد ثوار تشرين؟
لقاء مكي: كان للميثاق الوطني العراقي دور بالتأكيد في الدعم والمساندة، لكن البنية الأساسية لثورة تشرين لم تكن مؤدلجة ولا حزبية.
الميثاق: الميليشيات الطائفية تحاول فرملة الاندفاع الشعبي لإسقاط الطبقة السياسية بالإرهاب والقتل والاختطاف والتهديد، هل هي قادرة على وأد ثورة تشرين؟
لقاء مكي: ربما تستطيع الميليشيات الطائفية والأحزاب السياسية والحكومة وأد مظاهر الثورة في المرحلة الحالية، لكنها لن تستطيع أبدا إيقاف أسباب اشتعالها مجددا ولا فكرتها. هذه الثورة هي رد على انهيار الدولة، والخراب العام، وكل ذلك مستمر ويتعزز، بل إن الميليشيات ذاتها هي سبب مباشر لتحويل هذا الخراب إلى سياق طاغ. ودعوة ثورة تشرين لوجود دولة ووطن، يتناقض تماما مع وجود الميليشيات التي لا تعيش في ظل دولة، لذا ستتجدد الثورة مستقبلا بالتأكيد.
الميثاق: بماذا تفسر التزام الميليشيات التابعة لإيران بقرار التهدئة في استهداف التواجد الأمريكي بالعراق؟
لقاء مكي: إيران فرضت عليهم ذلك بشكل مباشر من قبل إسماعيل قآني الذي زار بغداد واجتمع بزعماء العصائب والنجباء وحزب الله، وبحضور القادة الميليشياويين. وفي اليوم التالي أفطر مع الكاظمي ليبلغه أنه أمر بوقف الهجمات على السفارة الأمريكية، وفي ذلك طبعا رسالة للكاظمي، بأن الأمر بيد إيران تحركه كيفما تشاء وبالوقت الذي تريد، فلا يذهب بعيدا في طموحاته.
الميثاق: بماذا تعزو إخفاق الحكومات في العراق المتلاحقة في حل أزمة النازحين وتسهيل عودة سكانها لديارهم؟
لقاء مكي: قضية النازحين ومسألة عودتهم إلى مدنهم وديارهم تحتاج إلى إرادة سياسية ولعدم توفر الإرادة السياسية فالمشكلة مستمرة، ولأن الأمر مرتبط بالفساد، فما يخصص للنازحين محليا ودوليا من أموال كبيرة فإن سرقتها تجري بانتظام واستمرار، وفي عودتهم إلى ديارهم تعني وقف هذا الباب من أبواب الفساد. وهناك طبعا أسباب تتعلق برفض الميليشيات عودة النازحين ولاسيما للنازحين من بعض المناطق مثل جرف الصخر ويثرب وعزيز بلد وغيرها من المناطق التي تخضع لسيطرة الميليشيات بشكل كامل.
الميثاق: إلى أين يتجه العراق بعد هيمنة إيران على مفاصله وعجز حكومة الكاظمي في تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين؟
لقاء مكي: العراق مهدد بوجوده كدولة، وفي وحدته الجغرافية، واستمرار هذا الحال لسنة إضافية قد يصل بنا إلى هذا الوضع المؤلم للأسف الشديد.