لم تتوقف التظاهرات التي تشهدها مدينة السليمانية وضواحيها في إقليم كردستان العراق منذ أسبوع، على الرغم من كل الجهود السياسية، وحتى الأمنية، التي تبذلها الأحزاب الكردية الحاكمة في الإقليم لإنهاء الاحتجاجات ومنع تمددها إلى أربيل ودهوك المحتقنة أساساً.
ومع استمرار تظاهرات مدينة السليمانية وضواحيها، مخالفة كل التوقعات حول خمودها، لا سيما بعد امتدادها إلى مدن جمجمال، ورانيا، وسيد صادق، وبنجوين، وبلدات أخرى مجاورة لها، ازداد التوتر مع سقوط 7 شهداء، بينهم طفل، بنيران قوات الأمن، فيما بدا أن سلطات الإقليم تستورد تجربة قمع المتظاهرين من بغداد، مع توجيه اتهامات بوجود محاولات تخريبية تستهدف زعزعة استقرار الإقليم، قبل أن تُصدر قراراً بمنع تنظيم أي تظاهرات "غير مرخصة"، معلنة أن "للقوات الأمنية الصلاحية في توقيف المتظاهرين والتعامل معهم وفق القانون". وعلى غرار شعار "نريد وطن" في بغداد ومدن عراقية متظاهرة معها، فإن شعار "إسقاط حكم العوائل"، هو البارز في الإقليم، في إشارة إلى عائلتي البارزاني والطالباني، اللتين تتقاسمان السلطة في محافظات الإقليم الأربع (أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة)، إلى جانب شعارات أخرى تتعلق بإنهاء الفساد والمساواة بين المستقلين و"أهل الأحزاب".
وتفجرت الاحتجاجات أول مرة بخروج عدد من المعلمين والمدرسين المطالبين بمرتباتهم المتأخرة منذ ستة أشهر، تبعهم موظفو البلدية وشرائح أخرى، قبل أن تتحول تلك التجمعات إلى نقطة جذب لباقي المواطنين، منذ الأول من ديسمبر/كانون الأول الحالي وبشكل تصاعدي. ولجأت السلطات في إقليم كردستان، خلال الأيام الماضية، إلى حجب مواقع التواصل الاجتماعي. كما أعلنت فرض حظر التجوال الجزئي في السليمانية. وعلى الرغم من ذلك لم يتراجع الناشطون والموظفون. وتتركز التظاهرات في مناطق رانيا ودوكان وتكية وحاجى كلار وخورمال وحلبجة وسيد صادق وكفري، إضافة إلى مركز السليمانية. وتبع ذلك سقوط 7 قتلى من المتظاهرين وجرح نحو 70 آخرين بفعل القمع الذي واجهت به قوات الأمن الكردية المتظاهرين، فيما تم حرق مقرات لأحزاب "الديمقراطي الكردستاني"، و"الاتحاد الوطني"، و"التغيير"، وهي أبرز الأحزاب النافذة.
ويتحدث ناشطون ومتظاهرون عراقيون أكراد من مواطني الإقليم عن أن مدناً في كردستان العراق تشهد احتقاناً بالغاً، وتسعى للانطلاق بموجة احتجاجات غاضبة، إلا أن الحصار الأمني الذي تطبقه قوات "الأسايش"، وهي الجهاز الأمني الخاص الأكثر حساسية في الإقليم، يحول دون اتساع رقعة الاحتجاجات. ولعل أخطر المناطق التي تخشى منها حكومة إقليم كردستان، هي حلبجة ورانيا، التي تعتبر تاريخياً منبع المعارضة السياسية الكردية ضد الأنظمة السابقة في العراق.
وتعليقاً على التظاهرات، قال الناشط الكردي سامان أمين، لـ"العربي الجديد"، إن "مساحة الفقر والجوع ازدادت في الإقليم، في وقت صارت طبقة الأغنياء هي أعضاء الأحزاب وقادة الأمن والبشمركة". وأضاف، في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد" من ألمانيا حيث يقيم، إن "تظاهرات بغداد وجنوب العراق كانت محفزاً لتفجر تظاهرات كردستان، فالأسباب واحدة تقريباً". وتحدث عن معلومات يتداولها مواطنون في الإقليم، لم يتم التأكد منها بشكل كامل، حول عمليات إطلاق نار مباشر على المتظاهرين لإخافة الآخرين، وهذا يعني محاولة استنساخ تجربة حكومة بغداد مع أول أيام تفجر الاحتجاجات.
وأكدت مصادر كردية مطلعة، أن الموظفين في ملاك الدولة العراقية في إقليم كردستان، يطالبون الحكومة بأكثر من 23 راتباً شهرياً متراكمة منذ سنوات، بينما لا تسلّم الحكومة في كردستان أكثر من 5 مرتبات للموظفين في كل عام. ولا يعرف الموظفون أي جهة تستولي على حقوقهم، على الرغم من أن الحكومة الاتحادية في بغداد، تعلن في كل شهر عن إرسال الدفعات المالية كاملة عبر مصرفي "الرافدين" و"الرشيد" إلى أربيل، ما تسبب بتراكم الديون على حكومة كردستان للموظفين، ناهيك عن نظام الادخار الإجباري الذي عملت به أربيل لمدة 3 سنوات، والقاضي باستقطاع نحو 20 في المائة من رواتب الموظفين، والذي ألغي عام 2019.
وتتهم الأحزاب الكردية المعارضة في إقليم كردستان، حزبي البارزاني (الديمقراطي الكردستاني) والطالباني (الاتحاد الوطني) ببيع نحو 500 ألف برميل من النفط المستخرج من حقول الإقليم إلى تركيا يومياً، من دون إعلان صريح. ويقول المعارضون إن "عوائد الجزء الأكبر من مبيعات النفط بطريقة غير رسمية تذهب إلى حسابات سرية تتبع قادة الحزبين". كما تحصل حكومة الإقليم على ما يُعرف بالإيرادات غير النفطية، وهي الجباية مقابل الخدمات العامة والضرائب، إضافة إلى إيرادات المنافذ الحدودية مع تركيا وإيران، وهو ما يجعل الإقليم ثرياً بالنظر إلى مساحته وعدد سكانه. إلا أن الفساد، وفقاً لأعضاء في مجلس النواب العراقي، هو ما أسفر عن إفلاس الإقليم وعدم استطاعته توفير رواتب وحقوق موظفيه والأكراد عموماً.